القاهرة – رغم طرح فيلم “الجميلة والوحش” Beauty & the beast في دور العرض المصريّة منذ 17 آذار/مارس من عام 2017، إلاّ أنّه ما زال مادّة للجدل بين المشاهدين وصنّاع السينما المصريّة ونقّادها، وربّما ما زال يحتفظ بطابعه الجدليّ بسبب ما حقّقه من إيرادات غير مسبوقة للأفلام الأجنبيّة في مصر، إذ تربّع على عرش الإيرادات الأعلى لأكثر من شهر حتّى الآن، بما فيها موسم إجازات عيدي القيامة والربيع، رغم طرح العديد من الأفلام المصريّة، حتّى بلغ إجماليّ ما حقّقه في مصر حوالى 8 ملايين جنيه حتّى 18 نيسان/إبريل. كما احتفظ بطابعه الجدليّ بسبب مشهد “المثليّة الجنسية“، الذي أدّى إلى حجبه في بعض الدول.

وتعبّر الإيرادات غير المسبوقة لفيلم “الجميلة والوحش” كفيلم أجنبيّ في مصر عن الإيرادات المتميّزة التي حقّقها على مستوى العالم ليصبح واحداً من ضمن 29 فيلماً كسرت إيراداتها حاجز المليار دولار، وفقاً لما أعلنته شركة “ديزني“، المنتجة للفيلم، في تدوينتها بصفحتها الرسميّة على موقع التّواصل الإجتماعيّ “فيسبوك” بـ13 نيسان/إبريل، وشكرت الشركة في التدوينة جمهورها لدعمه النسخة الواقعيّة من فيلم “الجميلة والوحش” حتّى حقّقت هذا المعدّل من الإيرادات.

وتظهر في الفيلم مشاهد عدّة اعتبرتها دول عدّة وأجهزة الرقابة على المصنّفات الفنيّة على مستوى العالم مشاهد ذات محتوى مثليّ، وهي التي تدور أحداثها بين الممثل لوك إيفانز (غاستون) والممثل جوش غاد (لو فوو).

وتمثّلت مواقف الدول كماليزيا وإحدى دور العرض في ولاية الأباما الأميركيّة في منع عرض الفيلم، بحال عدم حذف ما وصفته بـ”مشاهد المثليّة“، وهو ما رفضته شركة “ديزني“، التي قرّرت تأجيل العرض في ماليزيا وألاباما إلى أجل غير مسمّى، إلا أن ماليزيا تراجعت عن موقفها لاحقا. فيما حدّدت سنغافورة الفئة العمريّة لمشاهدي الفيلم بألاّ تقل عن 16 عاما ًمع إضافة ملاحظة على أفيشات الفيلم وإعلاناته تشير إلى أنّه يحتوي على مشاهد لا تناسب الأطفال. وكذلك، فعلت الهند بإضافة ملاحظة أنّ الفيلم لا يناسب الأطفال دون الـ12 عاماً. أمّا روسيا فحدّدت الفئة العمريّة بالـ16 عاماً، وحدّدتها إندونيسيا بالـ14 عاماً.

وكان الأمر اللاّفت أنّ الرقابة المصريّة أجازت فيلم “الجميلة والوحش” من دون أيّ ملاحظات أو حذف أيّ مشهد، رغم ما تضعه الرقابة من عراقيل بشكل معتاد أمام أيّ محتوى جدليّ، خصوصاً عندما يتعلّق بالقضايا الجنسيّة. ولذلك، حاول “المونيتور” أن يستوضح الأسباب التي أدّت إلى إجازة الفيلم.

وفي اتصال هاتفيّ، أشارت مديرة الأفلام الأجنبيّة في جهاز الرقابة على المصنّفات الفنيّة ميرفت حبيب لـ”المونيتور” إلى أنّها وافقت على عرض الفيلم في مصر من دون أيّ ملاحظات أو طلب حذف أيّ مشاهد إذ لم تكن هناك مشاهد تدعو إلى الحذف أو وضع أيّ ملاحظات على الفئات التي يمكن أن يعرض لها المحتوى، معتبرة أنّ المشهد المثير للجدل لا يوجد فيه أيّ تلميح إلى المثليّة الجنسيّة أو الترويج لها، وقالت: إنّ الدول التي منعت عرض الفيلم لها حساسيّة تجاه هذه القضيّة. ولذلك، منعته وحدّدت الفئات العمريّة.

ودعت الجمهور المصريّ إلى مشاهدة الفيلم قبل انتقاد الرقابة على إجازته.

وانتقد مصدر في مجلس إدارة نقابة المهن السينمائيّة موقف الرقابة قائلاً لـ”المونيتور”: “نحن ندعم حريّة الفنّ إلى أبعد الحدود، لكنّ هذا العمل موجّه في الأساس إلى الأطفال، الذين يجب ألاّ يطّلعوا على مشاهد المثليّة من دون تحذير أسرهم والتوجيه إلى ضرورة الإشراف العائليّ ومنع بعض الأعمار من مشاهدة الفيلم. إنّ سلوك الرقابة في التعامل مع فيلم الجميلة والوحش غريب للغاية، لأنّ الرقابة حسّاسة تجاه المحتويات الجنسيّة عموماً حتّى في الأعمال الموجّهة إلى الكبار وترفضها دوماً، وتطالب بحذفها، وأظنّ أنّ الرقابة تحاول تبرير موقفها بعد أن سمحت بعرض الفيلم من دون فحص متأنٍّ وكافٍ لمشاهده كافّة”.

من جهته، علّق أستاذ النقد في المعهد العالي للفنون السينمائيّة بجامعة القاهرة طارق الشناوي على موقف الرقابة قائلاً لـ”المونيتور”: “إنّ المشاهد أو الإيحاءات أو الألفاظ المستخدمة، والتي تعتبر محتوى خادشاً للحياء أو تشير إلى المثليّة ترتبط بضرورة السياق الدراميّ للفيلم، فهل تمّ وضعها في موضعها الصحيح أم لا؟ ربما لم يكن يتخيل صانعو الفيلم أن يسبب كل تلك الضجة، خاصة أنه يتضمن مجرد تلميح لعلاقة بين رجلين، والمشاهد وحده هو الذي يملك فهم هذا التلميح بالطريقة التي تحلو له.”.

أضاف: “تصرّف الرقابة بإجازة الفيلم وعدم حذف أيّ جزء منه هو تصرّف يحترم، وأتمنّى أن يصبح ذلك النهج العام للرقابة في التعامل مع الأفلام كافّة، لأنّ ليس من حقّ الرقابة أن تمنع فيلماً أو تقوم بالحذف، لأنّ ذلك يكون مصادرة لحريّة المبدعين، ولأنّ تقييم مدى أهميّة المشاهد التي يتمّ حذفها من الناحيتين الفنيّة والتجاريّة هو تقييم نسبيّ ويختلف من شخص إلى آخر. ولذلك، من الأفضل الاعتماد على التصنيف العمريّ في العديد من الحالات، لأنّه يحافظ على حريّة المبدع وعدم مصادرة أفكاره، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الآداب العامّة. وربّما لم تلجأ الرقابة إلى استخدام التصنيف العمريّ في فيلم الجميلة والوحش لأنّها ترى ألاّ ضرورة لذلك على الرغم من عدم استخدام المشهد في موضعه كما أشرت سابقا، حيث أنه ربما يكون من وجهة نظر الرقابة غير ملفت ومحدود التأثير خصوصاً في ظلّ حبّ الأطفال لتلك النوعيّة من الأفلام (الثري دي)”.

واتّفق معه في الرأي إلى حدّ كبير الناقد الفنيّ نادر عدلي، وهو ناقد حر يكتب في العديد من الصحف في صفحات السينما والفن، إذ قال لـ”المونيتور”: “المنهج الماليزي في التعامل مع فيلم الجميلة والوحش بطلب حذف بعض المشاهد أو منع الفيلم في حالة عدم استجابة ديزني لتلك المطالب هو منهج غير مجدٍ، لأنّ تلك الأفلام سيتمّ عرضها بعد أشهر أو ربّما أيّام على الإنترنت وسيشاهدها العديد من الأطفال. وعمليّة المنع والحذف هي إهدار لطاقات المبدعين وموارد صناعة السينما. ولذلك، الحلّ هو بتفعيل فكرة الفئات العمريّة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ قرار السماح لفئات عمريّة محدّدة بمشاهدة الفيلم هو قرار من الرقابة، ويبنى على وجهات نظر القائمين عليها، ومن حق هؤلاء القائمون ألا يلجؤوا إلى قرار استخدام الفئات العمرية بناء على رؤيتهم أنّ ليس في الفيلم محتوى ضارّ بالأطفال وفقا لظروف المجتمع الذي يعيشون فيه”.

ويبدو أنّ السماح بعرض الفيلم لم يكن مبنيّاً على إيمان الرقابة بحريّة الإبداع، وإنّما كان مبنيّاً إلى حدّ كبيرعلى رؤية الرقابة بأنّ الفيلم لا يتضمّن ما يستوجب منعه أو حذف مشاهده. وبالتّالي، ما زال صنّاع السينما في الداخل والخارج على موعد مع ملاحظات الرقابة المصريّة على أعمالهم، والتي ربّما تطوّر إلى قرارات بالحذف أو المنع.